ترى الدكتورة نادية حلمي أن وزارة أمن الدولة الصينية تراقب الزيارة الرسمية المفاجئة لمدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية جون راتكليف إلى القاهرة، الأحد 20 سبتمبر 2026، ولقاءاته مع رئيس الانقلاب المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس جهاز المخابرات العامة المصرية اللواء حسن رشاد. وتلفت الكاتبة إلى أن هذه الزيارة النادرة أثارت تحليلات استراتيجية معمقة داخل دوائر الاستخبارات والأمن الصينية، ولا سيما وزارة أمن الدولة، في ظل معرفة راتكليف بتبنيه منذ توليه منصب مدير الاستخبارات الوطنية الأمريكية مفهوم «التهديد الصيني» باعتباره أحد محاور السياسة الأمريكية.
ونشرت مودرن دبلوماسي مقال الكاتبة الذي يربط الاهتمام الصيني بزيارة راتكليف بالأهمية الجيوسياسية لمصر والشرق الأوسط في الاستراتيجية الصينية، خصوصًا في ظل تصاعد التوترات الإقليمية عقب الحرب على إيران وأزمة مضيق هرمز. وترى الكاتبة أن التحركات الاستخباراتية الثنائية يمكن قراءتها في ضوء التحليل الاستراتيجي الصيني المعتاد للتحركات الأمريكية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مع تركيز دوائر الأمن الصينية على تداعيات التعاون الأمني والاستخباراتي بين واشنطن والقاهرة.
الصين تراقب النفوذ الأمريكي وأمن الممرات البحرية
تعتقد دوائر الأمن الصينية، بحسب المقال، أن زيارة راتكليف إلى القاهرة قد تستهدف الحد من تنامي النفوذ الجيوسياسي الصيني في المنطقة. وتربط هذه الرؤية خصوصًا باجتماعات راتكليف مع السيسي ورئيس المخابرات العامة حسن رشاد، والتي تناولت الأمن البحري الدولي في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
وترى بكين أن هذه المنطقة تمثل شريانًا حيويًا لمبادرة الحزام والطريق والتجارة الصينية مع أوروبا وأفريقيا، ولذلك تخشى أن تسعى واشنطن، عبر قنواتها الاستخباراتية والأمنية، إلى صياغة ترتيبات أمنية جديدة في المنطقة تستبعد الصين أو تهمش دورها المتنامي.
وفي المقابل، تتبع مصر سياسة تقوم على التوازن الاستراتيجي، وترفض الانحياز الكامل إلى أي محور. إلا أن دوائر صينية تخشى أن تستخدم الاستخبارات الأمريكية أدوات ضغط أو تقدم عروضًا أمنية وسياسية حساسة وحاسمة لدفع القاهرة إلى تقليص تعاونها الأمني والتكنولوجي مع بكين.
كما تنظر وزارة أمن الدولة الصينية إلى راتكليف باعتباره أحد صقور الإدارة الأمريكية الذين يركزون بصورة أساسية على مواجهة صعود الصين. وسبق له الإشراف على رفع السرية عن ملفات استخباراتية تستهدف أنشطة صينية.
وتخشى دوائر صينية أن تتضمن المحادثات المغلقة التي أجراها راتكليف في القاهرة تحذيرات أمريكية من استخدام التكنولوجيا الصينية، مثل شبكات الجيل الخامس التي توفرها هواوي تكنولوجيز، ومشروعات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية التي تسعى مصر إلى توسيعها بالشراكة مع الصين، تحت ذرائع تتعلق بالتجسس والأمن السيبراني. ويُعد هذا الملف أحد مجالات الصراع الاستخباراتي المكثف بين بكين وواشنطن.
كما تراقب الصين زيارة راتكليف في ضوء احتمال فرض قيود على توسعها الاقتصادي والعسكري في أفريقيا والقرن الأفريقي، وهي مناطق شديدة الحساسية للمصالح الصينية. وترتبط هذه المخاوف بجدول أعمال الزيارة الذي شمل، وفق المقال، بحث الأوضاع في السودان والصومال والقرن الأفريقي.
وفي ظل الاستثمارات الصينية الكبيرة ووجود قاعدة لوجستية عسكرية صينية في جيبوتي المجاورة، تتابع بكين بقلق أي تنسيق استخباراتي رفيع المستوى بين الولايات المتحدة ومصر قد يؤدي إلى إعادة ترتيب موازين القوى في القرن الأفريقي ومضيق باب المندب، بما قد يؤثر في حرية الحركة والمصالح الاستراتيجية الصينية هناك.
وجاءت زيارة راتكليف إلى القاهرة في توقيت إقليمي شديد الحساسية، بالتزامن مع تصاعد الصراعات المرتبطة بإيران واليمن، وبعد أيام قليلة من زيارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى القاهرة.
وتخشى مراكز الدراسات الاستراتيجية الصينية أن تسعى الاستخبارات الأمريكية إلى بناء تحالفات أمنية إقليمية جديدة وضخ صفقات أسلحة ضخمة في المنطقة، بما يعزز الهيمنة العسكرية الأمريكية ويعرقل محاولات الصين تقديم نفسها باعتبارها وسيطًا دبلوماسيًا محايدًا وموثوقًا للسلام في الشرق الأوسط، على غرار وساطتها السابقة بين السعودية وإيران.
بكين تراقب ملفات إيران وغزة والسودان
وبحسب التحليل الذي تقدمه الكاتبة، ترى دوائر الأمن الصينية أن تحركات راتكليف في القاهرة تتجاوز إدارة الأزمات المباشرة، مثل غزة والسودان، لتندرج ضمن استراتيجية أمريكية أوسع لاحتواء التوسع الصيني ومحاصرته في نقاط جيوسياسية حيوية، وتبرز مصر باعتبارها إحدى أهم هذه النقاط.
وتنظر أجهزة الاستخبارات الصينية إلى تكثيف واشنطن التنسيق الاستخباراتي رفيع المستوى مع القاهرة باعتباره محاولة مباشرة للحفاظ على التحالفات الأمنية التقليدية للولايات المتحدة، ومنع تعميق التعاون الأمني أو التكنولوجي بين مصر والقوى الشرقية، ولا سيما روسيا والصين.
كما تحظى حماية طرق الملاحة البحرية بأهمية استراتيجية خاصة في التحليل الصيني للزيارة. وتتابع دوائر الاستخبارات والأمن والدراسات الاستراتيجية في الصين المحادثات الاستخباراتية الأمريكية المصرية، مع تركيز خاص على أمن الملاحة الدولية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، ولا سيما الصومال.
وترى بكين أن الاهتمام الأمريكي بهذه الممرات المائية يرتبط برغبة واشنطن في إحكام السيطرة الأمنية على طرق حيوية لمبادرة الحزام والطريق الصينية ومراقبة مضيق باب المندب عن كثب، في ظل استمرار التوترات الإقليمية.
كما تتابع الدوائر الصينية التعاون المصري الأمريكي في حماية الأمن البحري، خصوصًا في البحر الأحمر ومضيق هرمز، اللذين يواجهان تهديدات مباشرة تؤثر في التجارة الدولية والاقتصاد العالمي وإيرادات قناة السويس. وتدرس مراكز صنع القرار الصينية دلالات زيارة راتكليف إلى القاهرة ومناقشة الأمن البحري الدولي والتحديات الأمنية والجيوسياسية في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي.
وفي الملف الإيراني، تتابع بكين عن كثب جهود الوساطة المصرية لخفض التوترات المحيطة بمضيق هرمز. وتهتم الصين بصورة خاصة بالمحادثات الاستخباراتية المصرية الأمريكية الرامية إلى التوصل إلى اتفاق شامل لإنهاء الأزمة الإيرانية والحد من التصعيد العسكري، بما يحمي المنطقة من خطر اتساع نطاق الحرب. ويتوافق ذلك مع مصالح الصين ومبادرة الحزام والطريق واستثماراتها ومصالحها اللوجستية في مصر والمنطقة.
وفي قطاع غزة، تتابع الدوائر السياسية والاستراتيجية الصينية لقاءات راتكليف في القاهرة وتنفيذ المرحلة الثانية من خطة وقف إطلاق النار في القطاع، خصوصًا في ظل تأكيد السيسي أهمية التنفيذ الكامل للمرحلة الثانية، وإيصال المساعدات والالتزام بحل الدولتين.
كما تبرز، وفق المقال، نقاط توافق مصرية صينية بشأن عدد من المبادئ، من بينها ضرورة حماية المدنيين وضمان استمرار تدفق المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة وتهيئة مناخ سياسي يسمح بإحياء حل الدولتين.
وفي السودان والقرن الأفريقي، تحلل أجهزة الاستخبارات والدوائر العسكرية والسياسية والاستراتيجية الصينية الصلة بين زيارة راتكليف إلى القاهرة والمباحثات التي تناولت الملف السوداني مع الجانب المصري، ولا سيما في ضوء التعاون الاستخباراتي المصري الأمريكي بشأن سبل إنهاء الحرب في السودان.
وتؤكد مصر والصين، بحسب الكاتبة، مبادئ عدة، من بينها الحفاظ على وحدة السودان وسيادته ودعم مؤسساته الوطنية الشرعية بهدف تخفيف المعاناة الإنسانية. كما يظهر ذلك في تنامي الدعم المصري والصيني لاستقرار الصومال والقرن الأفريقي ورفض الاعتراف الإسرائيلي بإقليم أرض الصومال الانفصالي.
ومن هذا المنطلق، تركز دوائر صنع القرار في بكين على التعاون الاستخباراتي المصري الأمريكي ومناقشة التطورات الأمنية في القرن الأفريقي، في ظل رفض مصر والصين أي مساس بسيادة الصومال أو سلامة أراضيه.
تعاون استخباراتي أمريكي مصري يثير مخاوف بكين
وفق التحليل الصيني الذي تستعرضه الكاتبة، حملت زيارة راتكليف إلى القاهرة أبعادًا تنفيذية واضحة تستهدف تعزيز التعاون الاستخباراتي المشترك بين وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA وجهاز المخابرات العامة المصرية GID في عدد من الملفات الرئيسية.
وتشمل مجالات التعاون مكافحة الإرهاب والجريمة العابرة للحدود، إذ جرى الاتفاق على توسيع قنوات التبادل الفوري للمعلومات الأمنية المتعلقة بأنشطة التنظيمات الإرهابية وشبكات التهريب والجريمة المنظمة التي تنشط في مناطق الاضطرابات المحيطة بمصر، مثل ليبيا ومنطقة الساحل والسودان.
كما يبرز دمج التقييمات الجيوسياسية باعتباره أحد محاور التعاون، خصوصًا في ضوء إشادة راتكليف بمستوى التعاون الاستخباراتي القائم مع القاهرة، وتأكيده أهمية تعزيز تبادل الرؤى والتقييمات الأمنية والاستخباراتية المشتركة لاستشراف السيناريوهات المستقبلية في الشرق الأوسط وأفريقيا، بما يعزز قدرة الجانبين على التحرك بصورة استباقية.
وأظهرت الاجتماعات كذلك، بحسب التحليل، دور المخابرات المصرية باعتبارها شريكًا أمنيًا لا غنى عنه لكل من واشنطن وبكين في إدارة ملفات تفاوضية حساسة، خصوصًا مراقبة خطط وقف إطلاق النار في قطاع غزة وترسيخها، إلى جانب الملفين الإيراني والسوداني، وهي ملفات تتطلب تدفقًا منسقًا بدرجة عالية للمعلومات بين جهازي الاستخبارات.
وسعت الزيارة إلى رفع مستوى التعاون الأمني والاستخباراتي المباشر وتبادل المعلومات بين وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية وجهاز المخابرات العامة المصرية، إلى جانب مكافحة الإرهاب والجريمة. ووفق التحليل الصيني، شملت الأهداف الأمنية لزيارة راتكليف تعزيز الجهود المشتركة لمواجهة التنظيمات الإرهابية والجريمة المنظمة والجرائم العابرة للحدود التي تهدد الاستقرار الإقليمي.
وإلى جانب التنسيق الاستخباراتي، أشاد مدير وكالة الاستخبارات المركزية بمستوى التعاون بين مصر والولايات المتحدة في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والجرائم العابرة للحدود، وأكد التزام واشنطن بتعزيز تبادل الرؤى والمعلومات، وهو ما يحظى باهتمام دوائر الاستخبارات والدراسات الاستراتيجية الصينية.
وبناءً على هذا التحليل، ترى الكاتبة أن حجم المخاوف داخل الدوائر الاستخباراتية والاستراتيجية والأمنية الصينية بشأن زيارة راتكليف إلى القاهرة يرتبط بتصاعد التوترات الجيوسياسية في المنطقة.
وتقرأ أجهزة الاستخبارات ومراكز الدراسات الاستراتيجية الصينية الزيارة في إطار منافسة على النفوذ، في وقت تسعى فيه الولايات المتحدة إلى تعزيز شراكتها الاستراتيجية مع مصر، بينما يتزايد حضور قوى دولية أخرى، مثل الصين وروسيا، في المنطقة.
ولهذا، تتابع الدوائر التحليلية في بكين التحركات الاستخباراتية الأمريكية في مصر باعتبارها جزءًا من منافسة أوسع بين القوى الكبرى على النفوذ في مصر والشرق الأوسط وأفريقيا.
https://moderndiplomacy.eu/2026/09/22/ratcliffe-in-cairo-why-china-is-watching-u-s-egypt-security-ties/

